‏إظهار الرسائل ذات التسميات سورية. إظهار كافة الرسائل
‏إظهار الرسائل ذات التسميات سورية. إظهار كافة الرسائل

سميراميس الآشورية العراقية اسمها العطر ملك القلوب

4:13 ص


(سميراميس) اي (الحمامة)، حملت هذا الاسم لان الاساطير تقول ان الحمائم احتضنتها عند مولدها ورعتها واشرفت على غذائها. قصة (سميراميس) التي حدثت قبل اكثر من الفي عام ليست اسطورة بل هي جزء من التاريخ الساطع الا ان قصتها تعتبر اسطورة هزت التاريخ والثقافة فرضت حضورها شأنها شأن (كليوباطرا) الفرعونية و (الزباء) و (بلقيس) في الادب والنقش والرسم والنحت والمرئيات والموسيقى والسينما والمسرح والاسطورة في العالم حتى هذا اليوم. انها (سميراميس) التي شربت من ماء دجلة والفرات. (سميراميس) المعروفة بجمالها وقوتها وحكمتها، وقدرتها الفائقة في ادارة الدولة وقيادة الحروب والتوسع بالفتوحات. تقول الاساطير، انها هي التي شيدت (حدائق بابل المعلقة)، وغزت ارض الفراعنة وشطرا كبيرا من آسيا حتى الحبشة، حاربت الميديين واخيرا وصلت اعتاب الهند، القتال الذي كاد يؤدي بحياتها.
عن مولد (سميراميس الحمامة) تروي الاسطورة: في يوم، ان سيولا عارمة تدفقت بقوة من منابع نهر الفرات ففاض النهر فاحدث طوفانا فتدفقت الامواج وترامت الاسماك على الشواطئ، ولم يبق من الاسماك سوى سمكتان كبيرتان سبحتا الى وسط النهر وبدأتا دفع بيضة كبيرة طافية على السطح الى ضفة الفرات، واذا بحمامة بيضاء كبيرة تهبط من السماء وتحتضن البيضة بعيدا عن مجرى النهر. احتظنت الحمامة (البيضة) حتى فقست، وخرجت من داخل البيضة طفلة رائعة الجمال من حولها أسراب من الحمائم ترف بعضها عليها بأجنحتها لترد عنها حر النهار وبرد الليل. فبدأت الحمائم تبحث عن غذاء للطفلة، فاهتدت إلى مكان يضع فيه الرعاة ما يصنعون من حلبان واجبان فكانت الحمائم تأخذ منها بمناقيرها ما استطاعت ان تحمل، لتقدمه للطفلة طعاما عاشت به مع الحمائم سعيدة لا تعرف الشقاء أبداً.فارسلوا راعيا منهم لمعرفة اين تحط الحمائم فعرف المكان ثم دلهم عليه، فاذ وصلوا إلى المكان اكتشفوا صبية ذات حسن وجمال رائع، فأخذوها إلى خيامهم، ثم اتفقوا على أن يبيعوها في سوق (نينوى) العظيم. وفي الصبيحة حملوا الفتاة بعد ان اطلقوا عليها اسم (سميراميس) اي (الحمامة) إلى سوق نينوى. وكان ذلك اليوم يوما يحتفل فيه القوم يسمى بـ (يوم الزواج) يقام كل عام، حيث يجتمع في السوق الكبيرة الشباب والشابات قادمين من جميع انحاء البلاد، لينتقي كل شاب عروساً شابة له، أو ينتقي صبية يحملها إلى داره فيربيها إلى أن تبلغ سن الزواج فيتزوجها أو يقدمها عروساً لأحد ابنائه.
كانت ساحة (سوق نينوى) مشحونة بالكهول والشباب. جلس الرعاة عارضين الصبية في المقدمة فشاهدهم (سيما) رئيس اسطبلات خيول الملك، وكان عقيماً لا ولد له فارتاعه جمال (سميراميس) فقرر تبنيها. فاشتراها (سيما) ثم عاد بها إلى منزله. ما أن رأت زوجته الصبية ربة الجمال حتى فرحت بها فرحاً جارفا وتولت عنايتها كابنتها، وبقيت ترعاها وعندما بلغت الرشد غدت ذات حسن وجمال وأنوثة لم تبلغه امرأة من قبل ومن بعد! في يوم كان (اونس) مستشار الملك، يتفقد الجمهور المحتشد بأمر من الملك فصعقت عيناه بجمال (سميراميس الحمامة) وكانت قد بلغت سن الزواج، بقي مذهولا بجمالها وبراءتها. فاخذها الى نينوى وتزوجها، ثم انجبت (سميراميس) له طفلين او ربما توأمين هما (هيفاتة) و (هيداسغة) كانا سعيدان حيث كانت (سميراميس) تقدم لزوجها النصح والمشورة في الامور الخطيرة فأصبح ناجحا في كل مساعيه. خلال ذلك كان ملك نينوى ينضم حملة عسكرية ضد الجارة (باكتريا)، فأعد جيشا ضخما لهذا الغرض لانه كان يدرك صعوبة الاستيلاء عليها. بعد الهجوم الاول استطاع ان يسيطر على البلد عدا العاصمة (باكترا) التي صمدت. شعرالملك الحاجة للاستعانة بـ (اونس) بيد ان (اونس) ما كان يهوى مفارقة زوجته الحبيبة (سميراميس) فسألها ان كانت ترغب مرافقته فوافقت. تابعت (سميراميس) ما يجري خلال المعارك دارسة بعناية سيرها فقدمت اقتراحات فيما يدار في الحصار. فحيث ان القتال كان يدور في السهل وان كل من المدافعين والمهاجمين لم يعيروا للقلعة اهمية، اشارت (سميراميس) ارسال مجموعة من الجنود المدربين على القتال الى الجبال، الى المرتفع الشاهق الذي كان يحمي الموقع. ففعلوا ذلك ملتفين حول العدو المدافع فاصبح الاعداء محاصرين و لا خيار لهم غير الاستسلام. اثر هذا الانتصار غدى الملك (نينوس) غاويا ومعجبا بشجاعة وذكاء (سميراميس) في التوصل الى الانتصار الحاسم في المعركة. راح الملك (نينوس) يتفرس ويتمعن في وجهها الساحر وجمالها الأخاذ، فادرك استسلام قلبه لهذا السحر القاتل فلم يستطع مقاومة هذه المرأة التي اخذت بمجامع قلبه فطلب يدها كزوجة وملكة. فعرض الطلب على (اونس) ، الا ان (اونس) رفض هذا الطلب الملكي فهدده الملك بقلع عينيه وتحت هذا الخوف واليأس وافق مرغما على التنازل عن (سميراميس) للملك، غير ان (اونس) تجرع السم فمات كمدا، لارغام الملك (نينوس) وخطف زوجته منه، انجبت (سميراميس) من الملك طفلا اسمياه (نيناس) واثر موت الملك اعتلت (سميراميس)ملكة على عرش نينوى عاصمة آشور. تقول الاسطورة الدائرة، ان (سميراميس) حكمت آشور 42 عاما، الا انها كانت قد شاركت الحكم مع زوجها الملك بحكمتها لسنوات خمس ثم تابعت الحكم بمفردها اثر موت زوجها. بدأت (سميراميس) حكمها ببناء ضريح فخم في نينوى تمجيدا لزوجها الملك (نينوس). وتنسب اليها الأسطورة الشعبية بانها بنت مدينة (بابل)، لكن في الواقع ،ان الذي بنى حدائق بابل هو (نبوخذنصر) تلبية لرغبة زوجته الميدية، وقد عمل في هذا الانشاء اكثر من مليوني عامل وفق ما يقوله المؤرخ الاغريقي (ديودروس)، جاء بالعمال من ارجاء الامبراطورية المترامية الاطراف. كان محيط السور ما يقرب من 66 كيلومترا طولا، اما عرضه فقد كان بوسع 6 عربات تجرها خيول بالمرور فوقه سائرة جنبا الى جنب، وكان ارتفاعه مايفرب من 100 متر وشيد 250 برجا لحماية المدينة، واقيم جسر بطول 900 متر على نهر الفرات الذي كان يمر وسط المدينة. و قد اقيمت عند نهاية كل جسر قلعة محصنة كانت الملكة تستخدمها كدار استراحة، هذه القلاع كانت متصلة عبر ممرات سرية تحت النهر. وفي هذا العهد بنت الحدائق المعلقة المعروفة في التاريخ.قامت (سميراميس) بحملات عسكرية واسعة بعيدا في اسيا حتى قيل انها فاقت في امور القتال العديد من النساء المقاتلات في تلك العصور. قيل عن (سميراميس) انها انشات العديد من مدن العالم القديم أقيمت على نهري دجلة والفرات، واقامة العديد من اجمل واروع الاضرحة الفريدة والمواقع النادرة الاخرى في كل آسيا. في جولاتها العسكرية استولت على ميديا وبلاد الفراعنة والجزء الاكبر من الحبشة، وحاولت اخضاع الهند، فشكلت جيشا جرارا فعبرت نهر السند،الا ان جيشها واجه اعدادا هائلة من الفيلة المدربة فافزعت الخيول والجنود، فانسحب فرارا، وقيل انها تعرضت لطعنة كادت تودي بحياتها، وبعد جهد جهيد عبرت النهر وامرت بتدمير الجسر الذي اشادته كي لا يستطيعوا ملاحقة جيشها المهزوم. يبدو ان اسم (سميراميس) تحريف اغريقي لـ (سمورامات) وهي ملكة مقدسة، ام الملك الآشوري (اداد - نيناري الثالث) الذي حكم بين (810- 783 ق م) زوجة شمشي - اداد الخامس، الذي حكم بين 823 - 811 ق م ، و هو ابن شلمنصر الثالث الذي حكم بين ( 859 - 824 ق م ، و قد تميز حكمها بالقسوة بين 810- 805 ق م. هذه الحكاية الاسطورية مستلة من (الملكة سمورات) وبعد قرون طويلة حرف الاغريق الاسم الى (سميراميس). وهي اسطورة مفتبسة من بابل، و(الملكة سمورات) تزوجت من ملك نينوى (شمسو حدد الخامس) (823-811 ق.م). بعد ان توفى زوجها لم يكن يبلغ ابنها ولي العهد (حدد نيراني) 811-783ق م سن الرشد، فاستلمت زوجته (سميرامات) الملكة الحكم. يبدو ان (سمورامات) أضفت نوعا من الرقة والروحانية الجنوبية على السلوك الآشوري الذي اتسم بتقديس الفحولة المتمثل بالآله آشور واختيار منطق القوة والحرب.
ونجحت في ابراز ادوار آلهة كانت ثانوية عند الآشوريين مثل اله الحكمة (نبو). لقد ملكت (سمورامات) كالملوك العظام، حيث أقامت مسلة لتخلد ذكرها في ساحة المسلات في معبد آشور، وقد سجل على هذه المسلة العبارة التالية (مسلة "سمورامات" ملكة سيد القصر - شمس حدد ملك الكون ملك آشور) والد (حدد نيراني) ملك الكون ملك آشور وكنّاه (شلما نصر) ملك الجهات الاربعة. وأصبحت وصية على عرش ولدها لمدة 5 سنوات حتى بلغ سن الرشد. صحيح انها استلمت الحكم رسميا لفترة خمسة سنوات، الا انها كانت تشارك بالحكم منذ ايام زوجها وكذلك مع ابنها. ان شخصيتها القوية وذكائها الحاد وجمالها الاخاذ جعلاها تفرض سطوتها طيلة حكمها، وتمسك بتلابيب دولة بلاد النهرين طيلة عشرات السنين. و قد عثر على نقش حجري تذكاري في مدينة (آشور) واخر في (كالح) تصور فيه انها الملكة التي حكمت خلفا لزوجها المتوفى. لم تكتف هذه المرأة العظيمة بالسلطة السياسية وإدارة شؤون البلاد بل تعدتها إلى التأثير في الحياة الدينية والفكرية والاجتماعية. فهي رغم انها تشارك سكان آشور بالحضارة العراقية المشتركة، الا ان اصلها الجنوبي منحها بعض الخصوصيات المذهبية والثقافية حيث تمكنت ان تشيع مثل هذه المؤثرات البابلية على طريقة الحكم وعلى الكهنوت الآشوري وعلى عموم الحياة في نينوى. ومهما يكن الامر فان (سميراميس) هي (سميرامات) ثم انقلب اسمها عبر الازمة والعصور والدهور التوالي الى اسم يملك عطرا اسطوريا وعبيرا على مر الدهور، وقد حمل لنا التاريخ اسطورة كونها (الامرأة الامرأة) بالمعنى العالي اذ كانت رائعة الجمال باعلى اشكاله، بالاظافة الى كونها كانت فائقة في قوتها وحكمتها.
انها (سميراميس) الاسطورة التاريخية. نجد في اسم (سميراميس) العطر الانثوي وقوتها الخارقة كبطلة انثى تجعلها امرآة تنافس البطل (كلكامش) الذَكر بل ربما تفوقه سحرا. (سميراميس) بجمالها الخلاب اطلقوا اسمها على بعض ملكات عصور تالية منها (ماركريت) ملكة الدانمارك والسويد والنرويج 135-1412 وكذلك (كاترين الثانية) قيصرة روسيا 1729-1796 اعتبروهما (سميراميس) اوربا. وفي العصور الحديثة طغت شخصيتها على عقول وافئدة العالم بشكل لم يسبق له مثيل، حيث كتبوا ونشروا في العالم العديد من الكتب والروايات والاوبرات العالمية والمسرحيات، ولم تستطع هوليوود الا ان تذكرهاا باكبر افلامها. واسم (سميراميس) اطلق في جميع انحاء العالم وفي جميع اللغات وما لايحصى من المراكز السياحية والفنادق ودور التجميل والانوثة والمتعة. يصفها الكاتب (ويفي ميليفل) في ثنايا روايته (ساركادون.. اسطورة الملكة العظيمة) فيقول ( كانت فائقة الجمال، لا شك في الامر، ذلك الجمال الذي تعجز الكلمات عن وصفه، انه الجمال المنتصر، ليس باقل من الجمال الذي يذعن له الآخرون مرغمين).


توما شماني - تورونتو عضو اتحاد المؤرخين العرب


«أليسار» .. ابنة الساحل السوري التي بنت قرطاجة

11:33 م


غيد الياس بيطار

(عن موقع الوحدة)


أليسار - أميرة من الساحل السورية ابنة « متّان » الأول ملك صور 850-821ق.م ووالد « بيجماليون » حين شعر « متان » بدنو أجله أوصى أن تشترك « أليسار » في الحكم مع أخيها بيجماليون , لما كانت عليه من حدة ذكاء ,وقوة ارادة , ودهاء سياسي , اما « بيجماليون » فهو الاسم الاغريقي للاله السوري - الفينيقي الجميل « بومباي » ,وهو اله ساحلي بحري انتشرت عبادته في مساحة جغرافية شكلُها مثلث قائم الزاوية , يبدأ من اللاذقية إلى قبرص ثم إلى صور, و « بيجماليون » هذا اسمه في المصادر الاغريقية pygmalion كان ملكاً على جزيرة قبرص , وكان نحاتاً بارعاً قضى شطراً من حياته عازباً يبحث عن الحب , إلى أن صنع تمثالاً عاجياً لامرأة عارية جميلة فأسقط حبه للمرأة على هذا التمثال الذي احيته له « افروديت » استجابة لابتهالاته , فكانت « غالاتيا » التي تزوجها وولدت منه « بوفاس » مؤسس مدينة « بافوس » القبرصية التي حملت اسمه , وقد صار « بيجماليون » النحات وحبه للمرأة التي صنعها موضوعاً اثيراً لدى فناني النهضة والباروك , ومنهم « بوشيه »و« فالكونيه » .‏
- تكنى « بيجماليون » الامير السوري- الساحلي فيما بعد بهذا الاسم ورفض أن تشاركه اميرة الحكم وشاركه الشعب في ذلك , فرضخت « أليسار » للامر الواقع وتزوجت « زيكار - بعل » كاهن الاله « ملقرت » في صور , وكان في الوقت نفسه عمها , وهو يعرف في المصادر الاغريقية باسم« اسربال ,او سيشربال » .‏
- طمع « بيجماليون » بثروة عمه , وزوج اخته , الهائلة , كاهن الاله « ملقرت » لان « ملقرت » تبوأ رئاسة مجمع آلهة الساحل حوالي القرن العاشر قبل الميلاد , وقد امتدت عبادته على طول الساحل حتى اوغاريت وقد تردد اسمه كثيراً في نصوصها ومثيولوجيتها , وكان يقام له في ربيع كل عام عيد كبير يعرف باسم « بعث ملقارت » يدوم خمسة ايام , وكانت الغاية من هذا العيد اعادة بعث الحياة في هذا الاله بواسطة النار , وكانت معابده منتشرة ليس على طول الساحل السوري فقط , بل في جميع المستوطنات الفينيقية في حوض البحر الابيض المتوسط حتى وصلت إلى جانبي «جبل طارق ».‏
كرّس له « احيرام » ملك صور معبداً خاصاً , وكان ملوك « صور » يتبارون في تمجيده وتقديم النذور له , وظهر رسمه على نقود مدينة « صور » في القرن الخامس قبل الميلاد , وقد صوروه بوجه ملتح يخترق الأمواج على ظهر حصان البحر , لذلك ليس غريباً أن يطمع « بيجماليون » بالثروة الهائلة لهذا الكاهن , فعمد إلى قتله ليحصل عليها .‏
عاشت أليسار فترة من الزمن غير عالمة بمقتل زوجها إلى أن قرر أخوها اغتيالها ايضاً , فظهر لها شبح زوجها في الحلم وأعلمها بما فعل أخوها وبنيّاته السيئة نحوها , ونصحها بأن تهرب مع كنوزها فهربت « أليسار » , خلسة مصطحبة معها جميع الكنوز , وحاشية مؤلفة من خيرة العائلات المخلصة لذكرى زوجها , كاهن ملقارت .‏
ابحر المهاجرون إلى قبرص , و وافق كاهن عشتروت على مرافقتهم لقاء الحصول على رئاسة الكهنوت بصورة وراثية في عائلته , واصطحب الموكب معه ثمانين فتاة من مختلف المناطق الساحية ليقمن بدور العذارى المقدسات , ويؤمن استمرارية الطقوس الدينية لتقاليد الساحل السوري .‏
عند وصول أليسار وجماعتها إلى الشاطىء الافريقي , رحب بهم وفد من سكان السواحل السوريي الاصل « الفينيقيون » والمقيمين في « اوتيكا » يصحبهم جماعة من السكان الاصليين .‏
وانشأ المهاجرون مدينة جديدة سموها « قرت - جدة » اي«القرية - الجديدة » ثم ادغم هذا الاسم وصار فيما بعد في التاريخ « قرطاجة » ثم « قرطاج » .‏
تغنّى « فرجيل » بقصة « أليسار » واطلق على هذه الأميرة اسم « ديدو - أو ديدون » وتروي « إنياذته » قصة طريقة وعجيبة عن دهاء وحنكة هذه الأميرة السورية , مفادها أن « أليسار » عندما هبطت إلى الارض طلبت من السكان المحليين أن يهبوها قطعة أرض مساحتها جلد بقرة , وبعد أن وافق السكان على طلبها هذا , اتت بجلد البقرة وقصته شرائط رفيعة جداً , ثم وصلتها فحصلت على حبل يبلغ من الطول ما يكفي لاحاطة مساحة كافية لبناء مدينة كاملة , فأنشأت قرطاجة التي سرعان ما ازدهرت , وقد حسدها ملك الشعب الصحراوي « لابراس » وطلب يدها ليتزوجها , لكنها أصرت على الوفاء لذكرى زوجها الأول , وعندما هددها آثرت الانتحار ملقية نفسها في المحرقة بين اللهب , وقد هزت تضحيتها هذه الشعب , فرفعها إلى مصاف الآلهة , وأقيم لها معبد قرب المرفأ واقترن اسمها باسم افروديت وعشتروت , اما « فرجيل » فقد تجاهل التوقيت التاريخي والفاصل الزمني بين سقوط طروادة وتأسيس قرطاجة وهو 300 سنة ونسج اسطورة تربط بين ديدون و تأسيس روما , اذ جعل اينياس البطل الطروادي الهارب وأحد اقطاب مؤسسي روما يحط مراسيه في قرطاجة وتنشأ بينه وبين « ديدون » علاقة حب اغتاظ لها « لارباس » فدعا الالهة أن تصرفه من طريقه فأمرت « اينياس » بالرحيل وهكذا غادرت قرطاجة دون اذن من « ديدون » فانتحرت عندئذ .‏
دخلت أسطورة « أليسار » السورية , ابنة الساحل البارة وجدان الفنانين في عصر الكلاسيك الحديث, فاتخذ من اسطورتها الفنان« برنارسيس غورين »في القرن التاسع عشر موضوع لوحة جميلة له , وقد شكلت هذه اللوحة إحدى موضوعات صورة الغلاف .‏
يقول التاريخ أن قرطاجة تأسست عام 914 ق.م في موقع غير بعيد عن تونس , العاصمة الحالية لدولة تونس , لكن التاريخ الحقيقي لتأسيس هذه المدينة ما يزال موضع نقاش , اذ لم يعثر فيها على أي أثر سابق لعام 750 ق.م .‏
كانت قرطاجة على اتصالات دائمة مع صور , المدينة الأم , وقد ظلت مدة تدفع حصة لمعبد ملقارت الصوري لكن انحطاط صور وتدميرها عام 332 ق.م على يد الإسكندر , أنهت تبعية قرطاجة لهذه المدينة , وبدأت تفرض سيطرتها على المستوطنات الفينيقية في غربي البحر الأبيض المتوسط حتى امتدت سلتها إلى جزيرة كورسيكا« 535 ق.م » وازدهرت تجارتها في شواطىء اسبانيا« القرن السادس والخامس ق.م » وجزر الباليرو وسردينيا .‏
بدءاً من القرن الخامس قبل الميلاد , شرعت قرطاجة تنطوي على نفسها واستبدلت بتوسعها التجاري البحري توسعاً زراعياً داخلياً , ثم اشتبكت في حروب دامية مع اليونان دامت أكثر من قرن , عرفت في التاريخ باسم « حروب قرطاجة » وانتهت بتدمير قرطاجة كلياً عام 146 ق.م وازالتها من الوجود بصورة وحشية جداً .‏

زنوبيا - فيروز و الأخوين رحباني

12:45 ص


زنوبيا زنوبيا
اسمعي يا زنوبيا اسمعي
أبواق الرومان عم تعلن نهاية تدمر
تدمر يا نجمة المشارق
حاصرتك روما واستشهدوا أبطالك
لبصرى عم يسمع نحيبك
يا طفلة الممالك
أهربي يا زنوبيا أهربي أهربي
وين العربية ويني والممر السري وينيي
و كرام الدراويش ويني
ولا تذلك روما زنوبيا أهربي

لأ إذا أنا بهرب الأرض ما بتهرب
كل شي عم يهرب
المملكة السعيدة طفلة الممالك هربت من إيدينا
خمس سنين حكمت زنوبيا
بنيت حضارة ثارت على روما
خمس سنين با غفلة سريعة يا خمس سنين
خمس سنين ميت سنة بيمروا متل الطير
بياكلهن الزمان
زمان اللي بياكل كلس الحيطان
بس اللي بيبقى الوحده بيبقى شرف الوقفة صرخة بوجي الظلم
انهدم البرج انكسر السور العسكر هاجم صوب الملكة متل الأطفال اللي بدن يتخطافوا اللعبة
هربي يا زنوبيا هربي يا زنوبيا
و إنتو؟
نحنا منبقى نحنا عشب الأرض
و العاصفة بتمرق فوق
بتكسر الورد العالي
وردة إنتي و العاصفة جاية تاخدك إنتي
- أنا زنوبيا ملكة المملكة النبيلة
- لأجل الحرية بختار الموت عطوني كاس الموت
الملكة العظيمة رفضت الظلم و اختارت الموت اختارت النسيان
ودعوا زنوبيا بموسم الدمع بصوت الفرح بورق الرمان
- يا موت يا زهرة البطولة يا تاج الحياة و عطية المحبة الخجولة
- يا موت هديني بإيدي خدني ع طرقات مفروشة بالنوم و سعيدة
- و يا أهالي تدمر: خمس سنين من العمر عشتوها أحرار
- إلكن سما و هوية و اللي سكن الحرية يوم نهار ما بقى تقدر روما تسلب منو الحرية
- كاسك يا موت
أورليانوس الأمبراطور
زنوبيا ما إلك مهرب من روما حتى بالموت
- أورليانوس أنا برفض روما و سيطرة روما
إنتي اتمردتي
- نحنا عم نتحرر
و عارفي مصيرك؟
- عارفة مصيري بساحات روما مكبلة بالحديد
تمشي بالشوارع مغلوبي أسيرة يتفرجوا الناس عالملكة الأسيرة
- اللي بدو يصير ما عاد يهم أنا لعبت الدور و الدور المهم
لا تخدعي الناس صارحي الناس قوليلن انكسرتي
- أورليانوس الإنكسار بيمضى و الإنتصار بيمضى
- و بكرا بالإيام تدمر اللي انكسرت و روما اللي انتصرت تنينتهن حجار
- و أنت و أنا تمثالين بساحة الأثار
- لكن بكل زمان و مكان بدا تطلع روما تطغي و تظلم و بدا تطلع تدمر ترفض الظلم
- و بآخر الآخر بسهول الزمان تنتصر تدمر تدمر الحريي تدمر الصرخة اللي بقلب الإنسان
كبلوا زنوبيا خدوها على روما

تتقدم أجسامنا يحصدها السيف الحاصد
تتمدد أيامنا ينهبها الوقت الراصد
إذا مننسى زنوبيا أو صرخة زنوبيا
زنوبيا زنوبيا زنوبيا
- لوحوا بإيديكن ودعوا زنوبيا
- قولوا للشعرا يكملوا الأشعار
- قولوا للثوار يضلهن ثوار
- المملكة تدمر انتهت من الأرض
- صارت بالقلوب صارت بالمدار
- صارت الصرخة و صارت النار
- أورليانوس عجل خدني على روما عليت الصرخة كبرت على الموت
- لاعسكرك أورليانوس و لا قوة روما و لا كل روما بالدهر بتسكت هالصوت

جوليا دومنا: القيصرة

1:15 م


من ويكيبيديا، الموسوعة الحرة

جوليا دومنا سورية من مدينة حمص زوجة القيصر الروماني سيبتيموس سيفيروس (139- 211 م) ووالدة القيصر كاراكلا (211- 217 م) و جيتا، فارقت الحياة في أنطاكية عام 217 م

يرجح ولادتها في العام 166 م أو 170 م، في مدينة حمص في سوريا، لعائلة مهمة في المدينة تتوارث كهنوت عبادة الإله إل اجبل (أيل الجبل) حيث كان والدها، جوليوس باسيان، الكاهن الأعظم لهذه العبادة في حمص وفي الامبراطورية الرومانية .

تزوجت جوليا دومنا في العام 187 م من القائد سيبتيموس سيفيروس، قائد الفرقة (المعسكر) الرابعة في الجيش الروماني، المعسكرة في الولاية الرومانية السورية.

في الرابع من نيسان 188 م أنجبت جوليا دومنا إبنها الأول كاراكلا، في ليون حيث أقامت الأسرة لعمل سبتيموس سيفيروس كحاكم لأقليم (Lugdunensis)، أنتقلت بعدها الأسرة إلى روما حيث ولد الأبن الثاني گيتا في السابع من آذار 189 م بين 191- 193 م انتقلت الاسرة إلى كارنوتوم (Carnuntum) في النمسا شرق فينا

في 9 ابريل 193 م نادى به الجنود ليكون القيصر، وفي التاسع من حزيران دخل روما، ونالت جوليا دومنا لقب المعظمة (Augusta)

رافقت جوليا دومنا زوجها في المعارك التي خاضها في الشرق من 195 م حتى 211 م وكانت منذ بدايات هذه الحروب قد نالت لقب الشرف أم المعسكر (mater castrorum)، وأن كان القائد بلاوتيان (Gaius Fulvius Plautianus) قد حاول الوقوف في وجهها ومنعها من تحقيق نفوذ كبير لها في الحكم، إلا أنها بعد موته (205 م) على يد كركلا استطاعت أن تمارس دورها كحاكمة إلى جانب زوحها، ألا أن السنين الاحقة كانت مشحونة بالخلاف بين ولديها كاراكلا و گيتا، الذان توجب أن يحكما معاً وفق إرادت والديهما

بعد موت سيبتيموس سيفيروس في الرابع من شباط 211 م خلال معارك في بريطانيا، تولى الحكم -حسب رغبته- كاراكلا و گيتا معاً، وإن كانت لكركلا الكلمة الفصل كونه الأكبر سناً (البكر)، وبسب العداء المستحكم بينهما، أقتربت الأمور من الحرب الأهلية في الإمبراطورية الرومانية.

حتى أن المؤرخ هيروديان يكتب عن إنشقاق متوقع في الإمبراطورية، بحيث يمحكم گيتا الجزء الشرقي، لكنه يبدو أن جوليا دومنا كانت قد عارضت هذا الفعل، وحالت دون وقوعه، إلا أن كركلا قام في الحادي عشر من كانون الثاني 211 م بقتل أخيه غيلة بعد أن كان دعاه إلى لقاء مصالحة، وذلك في أحضان جوليا دومنا التي حاولت حمايته، مما أدى إلى إصابتها هي أيضاً، كما قتل الآلاف من اتباع أخيه، كما منع إقامة مآتام أو أظهار الحزن على گيتا، بما في ذلك جوليا دومنا نفسها، التي عانت كثيراً كأم ممنوعة من الحزن على إبنها

تركت حادثة قتل گيتا جرحاً عميقاً في وجدان جوليا دومنا، كما عبر عن ذلك المؤرخ كاسيوس ديو (Lucius Claudius Cassius Dio Cocceianus )، ولم تعد علاقتها بكركلا كما كانت، ومع ذلك ظلت تعامل بفائق الإحترام، حتى أنها كانت المسؤولة عن شؤون الأمبرطورية الروماتية ممن الناحية الإدارية، حيث ركز كركلا جهوده في الحروب والمعارك .

وقد تابعت جوليا دومنا أهتمامها بالأداب والفلسفة والفنون، من خلال عقد حلقات للأدباء والفلاسفة في قصرها، منهم الكاتب فيلوستراتوس (Flavius Philostratos) الذي ألف كتاب -بناء على طلب جوليا دومنا- عن حياة الفيلسوف الفيثاغوري ابوللونيوس (Apollonius of Tyana) والذي أنهاه بعد مماتها

في العام 214 م كانت جوليا دومنا في سوريا مع ولدها كركلا الذي بدأ سلسة معاركه مع الفرس، وفي الثامن من نيسان عام 217 م وأثناء تواجده في الرها في شرق سوريا قتله أحد الحراس بتحريض من القائد الروماني مكاريوس (Macrinus) الذي أصبح قيصراً من بعده .

بالرغم من حزنها الشديد الذي أضر بصحتها كثيراً، وعلى غير ما هو متوقع، فقد أحتفظت جوليا دومنا بصلاحيات عديدة في زمن القيصر مكاريوس، إلا أنها عندما أخذت بممارسة هذه الصلاحيات، تنبه مكاريوس إلى إمكانية إستعادتها لمجدها السابق في حكم الامبراطورية ، فأمرها بمغادرة أنطاكية، الأمر الذي يعني نهاية نفوذها، مما جعل صحتها تسوء وصولاً إلى موتها في العام 217 م، نُقل جثمانها إلى روما وعومل وفق تقاليد تأليه القياصرة.

سلالتها من اولادها لاتزال موجودة حتى يومنا هذا وهي موجودة في مدينة حمص ويقال ان هذه السلالة تسمى آل (سفور)نسبة إلى سبتيموس سيفيروس وتوجد وثائق مسجلة في كنيسة ام الزنار المشهورة تثبت نسبهم إلى هذه السلالة الامبراطورية .

زينب التاريخ والزبّاء الأسطورة

6:50 ص

أكثر الناس الذين ألاقيهم، وبعض الأدباء والعلماء قانعون بأن قصة زينب ملكة تدمر هي قصة "الزباء المنتقمة". ولم يكن ذلك مستهجناً في قديم الزمن حين كانت النصوص التدمرية المنقوشة مجهولة وكذلك المسكوكات والمصادر المكتوبة، وحين كان الاعتماد على الرواية الشفهية المنقولة التي تبدأ بشكل وتتطور بأشكال شتى، حتى تصبح القصة التاريخية أسطورة شيقة لا تمت إلى الأصل إلا بصلات واهية.

الأسطورة جعلت من الملكة زينب، التي هي زوجة الملك التدمري أذينة وأم ولي عهده وهب اللات والوصية عليه، شخصية جديدة غيّبت، في وقت ما، كل معالم الشخصية الأولى، فلم يبق منها إلا مكانها وهو تدمر، واسم الزباء المحرّف عن "بت زبّايْ" الذي هو اسم الملكة زينب في النصوص التدمرية.

إن الزمن الموضوع لأسطورة الزبّاء المنتقمة مقارب لزمن زينب (267ـ272م) وذلك بالمقارنة مع الأزمنة المفترضة لبعض أبطال الأسطورة، مثل جذيمة الأبرش وعمرو بن عدي. وذلك أمر بديهي، لأن الملكة الأسطورة هي ظل للملكة الحقيقية مسقط على أحداث قبلية قديمة يُرجّح حالياً أنها جرت خلال أواخر القرن الثالث أو مطلع القرن الرابع الميلاديين. إن "الزباء المنتقمة" نُسجت حول الملكة زينب، فخلقتها من جديد محّجمة في حدود الانتقام العشائري، وفي البقعة الصغيرة نسبياً بين الحيرة وتدمر، ومختلفة تماماً عن زينب الأصل، من حيث السيرة ومعالم الشخصية ومن حيث الآفاق ومن حيث الأهداف والبداية والنهاية.

وجذيمة الأبرش أو الوضّاح هو من مشاهير ملوك العرب في جنوب العراق ومن أهل القرن الرابع الميلادي، ينسب له تأسيس الحيرة والأنبار. وإن وجود جذيمة الأبرش في شمال الولاية العربية تشهد عليه كتابة أم الجمال المحررة بالنبطية واليونانية. وهذه الكتابة تذكر مربياً لجذيمة الأبرش وقد وثّق هذا الاكتشاف نصاً آخر اكتشف قبله في موقع النمارة على قبر امرىء القيس بن عمرو بن عدي. ولقد أصبحنا نعرف بصورة صحيحة أن جذيمة هو ملك اللخميين.

ويبدو أنه حصل في مطلع القرن الثالث الميلادي عند ضعف دولة الفرثيين (البارثيين) اتحاد أو تجمع قبلي أو عشائري باسم تنوخ. ولعل القبائل المجتمعة هي من عرب الشمال وليست من اليمن. ولقد أتت هذه القبائل إلى أطراف الفرات و"استقرت وتنوخّت" وعملت على حماية القوافل التجارية المارة من منطقة سكناها، وأقامت علاقات مع الإمارات والدول المجاورة. ونتج عن ذلك تأسيس سلالة اللخميين في الحيرة. وقد ذكرت المصادر العربية ذلك كثيراً وخاصة الطبري. ولكن العلماء لم يكونوا يقبلون مضمونها. وهناك حالياً ربط بين التوتر الذي حدث في أواخر حكم أذينة وزينب في سورية والولاية العربية وتحرّك تجمّع تنوخ وقيام سلالة اللخميين. ويرى بوروسوك أن تنوخ برزت عدواً قوياً لتدمر. وعندما قررت زينب الثورة ضد الرومان كان عملها، في رأيه، هجوماً على جيرانها من القبائل العربية بقدر ما هو ردة عن روما. وهذا الرأي يمكن أن يكون موضع نقاش في غير هذه المناسبة.


خلاصة السيرة السياسية لزينب ملكة تدمر:
حين قتل أذينة ملك تدمر الفذ مع هيروديس ابنه الأكبر، وهو من زوجة أولى أو ثانية، في مدينة حمص وفي ظروف يكتنفها الغموض ويرى البعض أنها من تدبير زينب، ترك ثلاثة أولاد أكبرهم ابنه الصغير وهب اللات، فقامت أمه بالوصاية عليه، وبدأت بمشروعها الكبير في الاستيلاء على الشرق ثم الغرب، فضمت سورية بكاملها ومصر وآسيا الصغرى. ثم اتخذت وابنها ألقاب الأباطرة في حدود 270م.وصكّت في أنطاكية والإسكندرية نقوداً مستقلة تحمل اسمها واسم ابنها وصورتيهما. وتقاعس الإمبراطور كلوديوس عن المسير لمحاربتها. لكن الإمبراطور الجديد أورليان تقدم لحربها بجيش قوي. وكانت معركتا أنطاكية وحمص في صالح الرومان، فتحصن التدمريون مع ملكتهم في عاصمتهم وقاوموا الرومان مقاومة ضارية. وسقطت زينب أسيرة وهي تحاول طلب النجدة من الساسانيين، فاستسلم التدمريون في خريف 272. ثم قتلوا الحامية الرومانية. وأدى ذلك إلى نهب مدينتهم الجميلة وتخريب معالمها.

ويختلف الأخباريون في نهاية هذه الملكة الشجاعة النبيلة والجميلة. وقد جاء في تاريخ الإمبراطورية الرومانية المعروف باسم التاريخ الأوغستي أن زينب أنهت حياتها بهدوء كسيدة رومانية. وإن ﭭيلتها كانت قائمة بين قصر هادريان الشهير في بلدة تيبور (التيفولي قرب روما)، في المكان المسمى "كونكه" الذي كان يحمل في أيامه اسم "زنوبيا". ويضيف أن أورليان قتل بعض أولادها أما الآخرون فقد ماتوا ميتة طبيعية ـ ولعله يقصد أفراد أسرتها، إذ أن أولادها لم يتجاوزوا الثلاثة (وهب اللات وتيم اللات المعروف باسم تيمولاوس وثالث قد يكون اسمه حيران) ويؤكد أنه في أيامه كان هناك بعض المتحدرين من نسل زينب بين نبلاء الرومان. على أن المؤكد وجود نصب ضخم في روما من القرن الرابع الميلادي يحمل اسم سيدة تسمى سبتيميا ونسبتها إلى أذينة.

أما فلافيوس ﭭوبيسكوس، من القرن الرابع الميلادي، فيذكر في التاريخ الأوغستي في القسم الخاص بحياة أورليان أن زينب، بعد أن مشت في موكب نصر أورليان، الذي يسهب في وصفه، عاشت عيشة بسيطة في مكان حُدِّد لها. وقد تبعه في ذلك الكتاب المتأخرون مثل جورج لوسانسيل وزوناراس.

ويذكر زوسيموس من النصف الثاني للقرن الخامس الميلادي أن زينب مرضت في الطريق لامتناعها عن الطعام وظلت على تلك الحال إلى أن ماتت.

ويروي مالالاس أنها قتلت بعد المعركة مع أورليان. وذلك بتناقض مع خطاب أورليان الذي قال فيه إنه أبقى على حياتها لخدماتها وللاستفادة منها في التعامل مع الفرس.

أما أوتروبوس وسان جيروم فيذهبان تقريباً إلى ما ذهب إليه التاريخ الأوغستي، ويقولان أنها عاشت بعد موت أورليان وتزوجت رجلاً من مرتبة الشيوخ وأنهت أيامها في ﭭيلا ببلدة تيبور (التيفولي قرب روما).

وفي عام 1990 زعم الطبيب الايطالي الشهير ديلفو غاليلو ماروني، الذي يملك قصراً ومزرعة في منطقة التيفولي بجوار روما، أن بقايا قصر زينب موجودة في أرضه وكذلك بقايا جسر الإمبراطور أورليان. وقد أوفدتنا السيدة وزيرة الثقافة إلى هناك لتقصي الأمر. ولدى التدقيق لم يتضح أي شيء يدل على قصر لزينب.

وفي تعريب كتاب عن حفريات منطقة اللاتزيو، من تأليف ستيفانو كابرال وفاوستو ديل ري، وفي الفصل الرابع عشر منه المسمى ﭭيلا زنوبيا، يُذْكَر أن المركيز ابن الدوق فيديريكو تشيزي وجد قبضة باب ذهبية وإناءً فضياً قديماً في تلال فيرو في قبر إحدى بنات زنوبيا. تلك هي الحكايات المروية عن زينب الحقيقية فلننتقل إلى الأسطورة.


خلاصة الروايات عن الزبّاء الأسطورة:
في أيام جذيمة الأبرش بن مالك اللخمي، كان هناك رجل يسمى عمرو بن الظرب بن حسان بن أذينة بن السميدع بن هوبر، كما جاء في الطبري والمقدسي وابن خلدون وحمزة الأصفهاني. وقد جرت بين عمرو بن الظرب وبين جذيمة الأبرش حروب قتل فيها عمرو بن الظرب فملّك قومه مكانه ابنته الزباء ابنة عمرو. ولهذه الابنة أسماء تختلف حسب الروايات. وأبو حنيفة الدينوري من أهل القرن الثالث الهجري (التاسع الميلادي) الذي كان أقدم من بحث موضوع الزباء بعد ابن الكلبي، يتفرد بتسميتها مارية ابنة الزباء الغسانية. وهي لديه ملكة الجزيرة ثم يروي بقية قصتها مع جذيمة. وكانت الزباء جميلة حازمة عاقلة تبغض الرجال (في هذه الصفة تلتقي بزينب الملكة) وتحسن فن الحرب. فعزمت على الثأر من قاتل أبيها ودعت جذيمة إلى قصرها، فنصحه قصير بن سعد بعدم الثقة بدعوتها. لكن جذيمة لم يبال بالنصيحة وأتى لزيارة الزباء فقبضت عليه وقطعت "راهشيه" فهلك نزفاً. صمم عمرو بن عدي، ابن أخت جذيمة الأبرش وخليفته، على الثأر من الزباء التي كانت أمنع من عقاب الجو، فاحتال الداهية قصير بن سعد، من حاشية جذيمة ومن رجال عمرو بن عدي، بجدع أنفه وقطع أذنيه، وقصد الزباء شاكياً باكياً زاعماً أن عدوها عمرو بن عدي فعل به هذه الأفعال. فأمنته فاحتال بإدخال جنود عمرو بن عدي في "جوالق" محمولة على الجمال واحتلوا مدينتها. ووصل إليها عمرو بن عدي فمصت السم الذي تحتفظ به في خاتم من خواتمها قائلة "بيدي لا بيد ابن عدي". وتخللت هذه القصة الأسطورة أمثلة موضوعة وشعر. وقد أورد المؤرخون والأخباريون والكتاب العرب كالطبري وابن خلدون وحمزة الأصفهاني والمسعودي وغيرهم أسطورة الزبّاء وقد جمع كوسان دوبرسفال كل ما أورده مؤرخو العرب عن أسطورة الزبّاء.


نقاط التباين بين سيرتي زينب الملكة والزباء الأسطورة:
زينب: متزوجة، الزباء: عزباء.
زينب: ابنة زباي (زنوبيا في اليونانية واللاتينية)، الزباء: ابنة عمرو بن الظرب (فارعة، نيلة، نائلة، ليلى، ميسون...)
زينب: لم يكن أبوها ملكاً، الزباء: كان أبوها ملكاً على الجزيرة وأعمال الفرات ومشارف الشام ويزعم الميداني في "مجمع الأمثال" أنها ولدت في باجرمي، كما زعم القزويني وابن قتيبة أنها ابنة ملك العراق.
زينب: ليس لها أخت، الزباء: لها أخت اسمها زينب.
زينب: تتكلم عدداً من اللغات، الزباء: تتكلم العربية فقط وتضرب بها الأمثال وتقول الشعر رغم أن البعض يجعلها رومية (..)
زينب: جيوشها احتلت سورية كلها ومصر والأناضول، الزباء: لم تحارب وظلت في حدود تحركات العشائر شمال الجزيرة العربية وجنوب سورية والعراق.
زينب: خصمها الأساسي الإمبراطور الروماني أورليان، الزباء: خصمها جذيمة الأبرش ومن بعده عمرو بن عدي.
زينب: أُسرت وهي في طريقها لطلب نجدة الفرس خلا حصار تدمر، الزباء: انتحرت بالسم.



عدنان البني
وزارة الثقافة
دمشق
الحوليات الأثرية العربية السورية
المجلد الاثنان والأربعون
1996
http://www.discover-syria.com/eminents/28

زنوبيا ملكة تدمـــــر

5:29 ص

زنوبيا ملكة تدمـــــر


تقديم :

من الظواهر الطبيعية البارزة والملفتة للنظر بروز شخصيات فذة على فترات متقطعة متباعدة أو متقاربة من الزمن ، ولقد كان بروز زنوبيا إحدى تلك الظواهر . برزت وسطع نجمها في أيام بعيدة وسحيقة بالنسبة لنا. لقد كانت مؤهلة لذلك البروز، كانت مؤهلة في ذاتها وشخصها ، وكانت مؤهلة في البيئة التي نشأت فيها ، واكتمل كل ذلك لها بالزواج والتدرب بل التمرس في شؤون الحكم ومسؤولياته. وتبدو زنوبيا كأنها واحدة من الأساطير ، وما أكثر الأساطير القديمة التي توارثها البشر في ذلك الزمان من مختلف الجهات والشعوب ، من الشرق ومن الغرب.
كانت عربية الأصل ، ذات شخصية قوية، تتحلى بتربية عالية ، تجيد اليونانية والآرامية ، وتتكلم بهما بمثل الطلاقة التي تتكلم بها العربية ، ولم تكن تجهل اللاتينية، ولها اطلاع على تاريخ الغرب بالإضافة إلى كونها قد دونت لنفسها خلاصة لتاريخ الشرق، مما يدل على سعة اطلاعها . فهي امرأة ليست كالنساء ، عاشت عظيمة وتوارت عظيمة أيضاً، إنها نموذج رائع للبشر يستحق منا الدراسة والبحث، ولهذا كله أجري هذا البحث المتواضع .

نسبها :

الزباء بنت عمرو بن الظرب بن حسان ابن أذينة بن السميدع السميعة المشهورة في العصر الجاهلي ، صاحبة تدمر وملكة الشام والجزيرة . يسميها الإفرنج زنوبيا، وأمها يونانية من ذرية كليوبطرة ملكة مصر.

صفاتها:

كانت غزيرة المعارف ، بديعة الجمال ، مولعة بالصيد والقنص ، تحسن أكثر اللغات الشائعة في عصرها، وكتبت تاريخاً للشرق.
زنوبيا ملكة جليلة ذات رأي وحكمة وعقل وسياسة ودقة نظر وفروسية وشدة بأس وجمال فائق.كانت سمراء اللون قوية اللحظ وكانت الهيبة والجمال والعظمة تلوح على وجهها وكانت أسنانها بيضاء كاللؤلؤ وصوتها قوياً وجهوراً، وجسمها صحيحاً سالماً ، وكانت الابتسامات لا تفارقها، فعاشت بعظمة ملوكية مقلدة ملوك الأكاسرة فكانت تضع العمامة على رأسها وتلبس ثوباً أرجوانياً مرصعاً بالجواهر وكثيراً ما كانت تترك ذراعها مكشوفة. وتثقفت بالثقافة اليونانية وكانت تتكلم الآرامية والقبطية وبعض اللاتينية واليونانية ولها اطلاع واسع على تاريخ الشرق والغرب ، وكانت تقرأ هوميروس وأفلاطون وألفت تاريخاً عن مصر وآسيا.

قضية الحكم:

كانت زنوبيا زوجة لأذينة سيد الشرق الروماني الذي امتدت سلطته على سورية وما يليها ولقب ملك الملوك. فاستأثر أذينة بسورية وسائر آسيا الرومانية ، وكان كثيراً ما يحارب الفرس ويردهم عن بلاده. وكان إذا خرج إلى الحرب أناب عنه في حكومة تدمر امرأته زنوبيا، حتى قيل : إن ما وصل إليه أذينة من البراعة في القيادة والدراية في تعبئة الجيوش يرجع إليها.

ولما قتل أذينة ( وتشير بعض أصابع الاتهام إليها في مقتل زوجها) اعتلت أريكة الملك باسم ابنها وهب اللات، ثم أخذت تسعى لابنها بتثبيت عرشه وتقوية الدولة التدمرية. وبعد حين ساءت العلاقات بين الإمبراطور الروماني والدولة التدمرية، فأرسل الإمبراطور بعض الكتائب الرومانية لإعادة بسط النفوذ الروماني، ولكن زنوبيا حطمت هذه الكتائب وأولتها شر هزيمة.

واستفادت من الاضطرابات في روما، فتوجهت إلى مصر تلك البلاد الغنية بالحبوب وفتحتها بكل اقتدار وبذلك عززت مكانة تدمر التجارية وجعلت علاقاتها التجارية تمتد إلى الحبشة وجزيرة العرب . ولم تقنع بمصر بل شرعت تغزو بلاداً وتفتح أوطاناً وتقهر جنوداً وتهزم جيوشاً حتى اتسعت مملكتها اتساعاً عظيماً فامتدت حدودها من شواطئ البسفور حتى النيل أطلقت عليها الإمبراطورية الشرقية.

انتقل الحكم في روما إلى الإمبراطور أورليانوس الذي بادر حالا إلى التفاوض مع زنوبيا وأوقف زحف جيوشها مقابل هبات عظيمة لها واعترف بألقاب ابنها وامتيازاته وضربت النقود في إنطاكية والإسكندرية فكانت صورة وهب اللات على وجهها الأول وعلى الوجه الثاني صورة أورليانوس.وفي خطوة تالية عهدت بملك مصر إلى ولدها وأزالت من النقود صورة الإمبراطور ونادت بالاستقلال المطلق.

وما أن اطلع أورليانوس على عمل زنوبيا هذا إلا وصب عليها جام غضبه ووطن نفسه على التنكيل بها وسحق الدولة التدمرية. عبأ جيشاً علاماً وعلى رأسه القائد بروبوس وبعث به إلى مصر سنة 271م ، وتولى بنفسه جيشاً آخر توجه به إلى آسيا الصغرى على أن يلتقي الجيشان في تدمر . بدأت الخطة تلاقي النجاح ، حيث احتل بروبوس مصر بدون أن يلقى مقاومة كبيرة ، أما أورليانوس فوصل أنطاكية واستطاع أن يقهر القوات التدمرية في معركة كبرى دامية مما اضطرها إلى الانسحاب إلى تدمر

النهــــاية:

تعقبهم أورليانوس نحو حمص متابعاً زنوبيا التي انسحبت إليها ، فأوقع بجيشها هزيمة أخرى ، شابهت ظروفها معركة أنطاكية ووصل تدمر وحاصرها حصاراً تاماً قضى على ما لدى التدمريين من المؤن ،وكانت قد أعدت كل ما تستطيع إعداده من وسائل الدفاع إذ وضعت على كل برج من أبراج السور اثنين أو ثلاثة من المجانيق تقذف المهاجمين بالحجارة، وتمطرهم بقذائف النفط الملتهبة، وصممت على المقاومة بشجاعة بطولية، معلنة أنه إذا كان لا بد لحكمها من النهاية فلتقترن هذه بنهاية حياتها.

عرض أورليانوس على زنوبيا التسليم لقاء شروط معتدلة: أن تنسب انسحاباً كريماً ، وأن يحتفظ مواطنوها بامتيازاتهم القديمة . لكنها رفضت شروطه بإباء وشمم، لا بل اقترن الرفض بالإهانة ، وبعد أن استبد بها اليأس ، حاولت زنوبيا الاستعانة بالفرس ووصلت نهر الفرات إلا أنها وقعت في الأسر واقتيدت إلى أورليانوس وهو في ميدان القتال فأحسن معاملتها سنة 282م.ثم اقتادها معه إلى روما ولم يقتلها بل قتل بعض كبار قادتها ومستشاريها بعد محاكمة أجريت لهم في حمص.

وعلى أرجح الأقوال أن حياتها قد انتهت في منزل في تيبور أعده لها اورليانوس، ولم يتحقق من طريقة وفاتها ، إلا أن لإحدى الروايات تقول أنها امتصت سماً وماتت به، أما بناتها فقد تزوجهن بعض أشراف الرومان.

زنوبيا, الزباء, زينب

11:53 م

نظرة الملكة زنوبيا الأخيرة نحو تدمر, هربرت شمالتس
Queen Zenobia's Last Look Upon Palmyra, Herbert Schmalz




زنوبيا في الأغلال
Zenobia in Chainsmarble, 1859